ابن كثير

41

البداية والنهاية

البغدادي أحد أئمة المالكية ، ومصنفيهم ، له كتاب التلقين يحفظه الطلبة ، وله غيره في الفروع والأصول ، وقد أقام ببغداد دهرا ، وولي قضاء داريا وماكسايا ( 1 ) ، ثم خرج من بغداد لضيق حاله ، فدخل مصر فأكرمه المغاربة وأعطوه ذهبا كثيرا ، فتمول جدا ، فأنشأ يقول متشوقا إلى بغداد : سلام على بغداد في كل موقف * وحق لها مني السلام مضاعف فوالله ما فارقتها عن ملالة * وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها * ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوه * وأخلاقه تنأى به وتخالف قال الخطيب : سمع القاضي عبد الوهاب من ابن السماك ، وكتبت عنه ، وكان ثقة ، ولم تر المالكية أحدا أفقه منه . قال ابن خلكان : وعند وصوله إلى مصر حصل له شئ من المال ، وحسن حاله ، مرض من أكلة اشتهاها فذكر عنه أنه كان يتقلب ويقول : لا إله إلا الله ، عندما عشنا متنا . قال : وله أشعار رائقة فمنها قوله : ونائمة قبلتها فتنبهت * فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد فقلت لها إني فديتك غاصب * وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكفي عن أثيم طلابة ( 3 ) * وإن أنت لم ترضي فألفا على العد فقالت قصاص يشهد العقل أنه * على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هميان خصرها * وباتت يساري وهي واسطة العقد فقالت ألم تخبر بأنك زاهد * فقلت بلى ، ما زلت أزهد في الزهد ومما أنشده ابن خلكان للقاضي عبد الوهاب : بغداد دار لأهل المال طيبة * وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها * كأنني مصحف في بيت زنديق ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في سادس المحرم منها استسقى أهل بغداد لتأخر المطر عن أوانه ، فلم يسقوا ، وكثر الموت في الناس ، ولما كان يوم عاشوراء عملت الروافض بدعتهم ، وكثر النوح والبكاء ، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق . وفي صفر منها أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء فلم يخرج من أهل بغداد مع

--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 3 / 222 . بادرايا وباكسايا . ( 2 ) في الوفيات : ظلامة .